ابن الجوزي

358

صفة الصفوة

فو اللّه لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن . قال : قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر : هو واللّه خير . فلم أزل أراجعه حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر . فقمت فتتبّعت القرآن أجمعه من الرّقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع أحد غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ سورة التوبة آية : 128 ] إلى آخرها . وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه اللّه عزّ وجل ، ثم عند عمر حتى توفاه اللّه ثم عند حفصة بنت عمر ( انفرد بإخراجه البخاري ) . وعن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدها في دين اللّه عزّ وجل عمر ، وأصدقها حياء عثمان ، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت » « 1 » . وعن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال : تنحّ يا بن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقال : هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا . وعن موسى بن علي قال : سمعت أبي قال : إن كان الرجل ليأتي زيد بن ثابت فيسأله عن الشيء فيقول : اللّه أنزل هذا ؟ فإن قال : اللّه أنزل هذا ، أفتاه وإن لم يحلف تركه . وعن محمد بن سيرين قال : خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة فاستقبله الناس راجعين فدخل دارا فقيل له ، فقال : إنه من لا يستحي من الناس لا يستحي من اللّه . وعن ثابت بن عبيد قال : كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته وأزمته إذا خرج إلى الرجال . وعنه قال : ما رأيت أحدا كان أفكه في بيته ولا أحلم في مجلسه إذا جلس مع القوم ، من زيد بن ثابت .

--> ( 1 ) أخرجه النسائي وابن ماجة .